فن و ثقافة

الدورة 56 لمهرجان قرطاج الدولي..مراهنة على المقاييس العالمية

لم تنتظم الدورة 56 لمهرجان قرطاج الدولي في 2020 بسبب الوضع الصحي، ولكن عمل الهيئة لم يتوقف. بل كان التأجيل فرصة للنظر في مكانة المهرجان بما هو علامة مميزة في الخارطة الوطنية والدولية. وطرح الكثير من الأسئلة حول حاضره ومستقبله. من هنا كان العمل جادا يتعدى البرمجة الروتينية لمهرجان صيفي إلى بناء رؤية أكثر عمقا، كانت موضوع أولى الندوات الصحفية للدورة 56 لمهرجان قرطاج الدولي صباح السبت 30 جانفي 2021 بمسرح المبدعين الشبان بمدينة الثقافة بحضور كل من “يوسف الأشخم” مدير عام المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، “عماد عليبي” المدير الفني لمهرجان قرطاج الدولي و”حسان السايس” المكلف بالاتصال. إلى جانب عدد من الفنانين “نبيهة كراولي”، “عادل بندقة”، “علي اليحياوي”، “نصر الدين الشبلي”، “آسية الجعايبي” و”سليم بن صافية”

في الطريق إلى مسرح المبدعين الشبان، وتحديدا في البهو الرئيس لمدينة الثقافة صور مؤثرة لوجوه ثقافية وفنية وسياسية مرت من قرطاج. هي جزء من عمل كبير لتجميع أرشيف مهرجان قرطاج الدولي منذ تأسيسه بين الهيئة المديرة لمهرجان قرطاج الدولي 2021 والمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية بمساهمة عديد المؤسسات: قسم الأرشيف بوزارة الشؤون الثقافية، دار الكتب الوطنية، المركز الوطني للتوثيق، وكالة تونس إفريقيا للأنباء ومؤسسة الإذاعة التونسية

هذا الأرشيف سيكون متاحا بأكمله لاحقا على الموقع www.mediafic.tn ، وأكد “عماد عليبي” في هذا الإطار أن الموقع لن يمكن الزائر من رفع المادة واستغلالها في البحث والدراسة فقط وإنما يسمح أيضا بإضافة مواد توثيقية ليكون بذلك تجميع الأرشيف عملا تشاركيا.

كما سيتم إنتاج فيلم وثائقي وإصدار كتاب حول تاريخ المهرجان للتوثيق أولا وحتى يكون مادة للباحثين والدارسين.

واعتبر المدير الفني لمهرجان قرطاج الدولي “عماد عليبي” تجميع الأرشيف وحفظه ورقمنته خطوة ضرورية لإعادة النظر في تاريخه والتمعن فيه بهدف فهم الكثير من الخيارات المتعلّقة بالمهرجان ممّا يساعد على التأسيس للمستقبل بشكل أفضل وأكثر نجاعة وقدرة على الاستمراريّة. 

العودة لم تكن فقط إلى العمل على الأرشيف بل إلى الأفكار التأسيسية لمهرجان قرطاج الدولي، وتحدث هنا “عماد عليبي” عن تسجيل شهادات لعدد من المديرين السابقين للمهرجان واعتبر ذلك عودة إلى الأفكار الأولى للمؤسسين ومن خلالها إلى أسس المهرجان التي تنسجم كثيرا مع رؤيته

وقال “يوسف الأشخم” المدير العام للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية أن قيمة المهرجان الاستراتيجية التي تنخرط في مشروع وطنيّ متكامل وقيمته الفنيّة من حيث التنوّع والمراهنة على مستويات ذوقية وجمالية بمقاييس عالميّة، ساهمت في تحويل هذه التظاهرة، في وقت قصير إثر تأسيسها، إلى حلم العديد من الفنّانين في العالم، ومنعرجا أساسيّا في مسيرة الكثير منهم، ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، لعلّ أهمّها قيمة الجمهور على مستوى الذوق الفنيّ، حيث اعتاد على برمجة فنيّة في مستوى تطلّعاته، واكتشافات تفاجئه في كلّ مرّة وتضمن عودته في الدورات القادمة. 

 لمهرجان قرطاج إذن علامة مميزة في خارطة المهرجانات العالمية وإرث ثريّ، وتمشّ واضح يسمح ببناء تصور للدورات القادمة ومستقبله ككلّ، دافعه الأساسي هو التميّز وخلق كلّ مقوّمات الاستمرارية والنّجاح، بناء على خيارات تتمحور جميعها حول الذوق السليم الذي يحمل بدوره تنوّعا كبيرا، ويحتوي مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، والتعبيرات الفنية بجميع أنماطها من الكلاسيكيّ إلى العصريّ. 

في هذا الإطار، تعمل كل من المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية والهيئة المديرة لمهرجان قرطاج الدولي على إعادة المهرجان إلى مكانته الأصلية وإشعاعه الأول الذي لا يمكن أن تضمنهما سوى برمجة نوعيّة وذات قيمة عالية تحترم ذوق الجمهور في تنوّعه واختلافاته وتعتني بالمشاريع والأسماء الفنيّة التي تعكس إنتاجاتها مجهودا وجديّة، وهي أفكار تنسجم كثيرا مع رؤية المدير الفني لمهرجان قرطاج الدولي 2021 “عماد عليبي”

من جهة أخرى تحدث “يوسف الأشخم” عن عودة المهرجان إلى تقليد الإنتاج والإنتاج المشترك وفق مقاييس تقوم على الخلق والإبداع والتجديد

أما “حسان السايس” المكلف بالاتصال فعرض الهوية البصرية الجديدة للمهرجان، وقد انطلق اعتمادها في مختلف التصاميم الرقمية والمطبوعة للمهرجان. وفسر المراجع التي تم اعتمادها في اختيار الشعار الجديد للمهرجان والخط والألوان

في النصف الأخير من الندوة الصحفية عرض “عماد عليبي” برمجة ما قبل المهرجان تحت عنوان “في انتظار الصيف” التي تنطلق بليلة النجوم مع آسية الجعايبي وسليم بن صافية أيام 20، 21 و22، ويقترحان فيه تصوّرا جديدا للفنّ في علاقته بالفضاء العام عبر منتوج فني ذو قيمة عالية

كما تحدث عن عروض التعاون الدولي في صيغتها الجديدة تقوم على مبادرة الهيئة المديرة لمهرجان قرطاج الدولي بالاتصال بالسفارات والمراكز الثقافية الأجنبية في تونس والتفاوض حول عروض جادة وذات قيمة عالية تم من بينها اختيار عرضين الأول يحتفي بالموسيقي “إنيو موريكوني” وذلك يوم 21 ماي 2020 بالمسرح الروماني بقرطاج

وموريكوني الذي توفي في 2020 يعد أحد أشهر الشخصيات وأكثرها تأثيرا في السينما والموسيقى، سيكرمه الأركستر السمفوني “لويجي شيروبيني” التابع لمعهد فلورنسا للموسيقى بمشاركة ما يزيد عن مائة موسيقيا بين عازفي الأركستر السمفوني “لويجي شيروبيني”، عناصر من الأركستر السمفوني التونسي، إضافة إلى كورال جامعة فلورنسا. 

كما سيشهد الحفل حضور “أندريا موريكوني” ابن الأسطورة الراحل “إنيو موريكوني” وهو أيضا مؤلف موسيقي، وسيرافقه عدد من الموسيقيين الذين عملوا مع والده وكانوا ضمن الأركستر الخاص به.

يقود هذه المجموعة الأركسترالية المايسترو “باولو بونزيانو سياردي” أحد أشهر قادة الأركسترا في إيطاليا وفي أوروبا أيضا الذي تحدث في فيديو تم عرضه خلال الندوة الصحفية عن تحمسه لقيادة الحفل

ويحضر الحفل أيضا عدد من ممثلي الصحافة الإيطالية واعتبر “عماد عليبي” ذلك إشارة إيجابية في ما يعرف بالسياحة الثقافية

أما العرض الثاني في باب التعاون الدولي فسيكون مع سهرة الفادو لسارة كوريا من البرتغال التي ستغني بصوتها المتفرد ليلة 22 ماي 2021 بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة

“في انتظار الصيف” يعيد مهرجان قرطاج الدولي إلى أسسه: عروض ما قبل المهرجان، الخروج من المسرح الروماني بقرطاج والتوسع في فضاءات جديدة والانفتاح على الجاد من التجارب والمشاريع الفنية

ولأن الأنظار تتجه نحو العروض الصيفية، أعلن “عماد عليبي” عن ثلاثة عروض كبرى ينتجها ويشارك في إنتاجها مهرجان قرطاج الدولي: “حبوبة العودة” للفنان الكبير الهادي حبوبة رمزا من رموز الموسيقى التونسية وينسق العرض “نصر الدين الشبلي”، “بحر الصوفية” إنتاج “عادل بندقة” وغناء “نبيهة كراولي”. وكلاهما يخوض التجربة للمرة الأولى، بكل عفويتها، وسحرها، وتفردها: الموسيقى الصوفية ببحرها الواسع الممتد. في إخراج ركحي لمحمد علي بن جمعة

إضافة إلى “ديوان الرمل” إنتاج مشترك مع مركز الفنون الدرامية والركحية بتطاوين، تصور وسيناريو “علي اليحياوي”، إخراج “لسعد بن عبد الله” وهي رحلة موسيقية فرجوية بكتابة درامية، تمتزج فيها الإيقاعات بالصورة والأهازيج والحركات. تتقاطع مع الفضاء الصحراوي وتستلهم منه عوالمه السحرية والخيالية، تقلبه، تناقضاته بين السكون والحركة، الهدوء والعنف، الوضوح والغموض… في لوحات راقصة أو عبر الرسم بالرمال.

الدورة 56 لمهرجان قرطاج الدولي لن تكون لقاء عابرا بين الجمهور والعروض الصيفية في المسرح الروماني بقرطاج وإنما ستكون تأسيسا لرؤية جديدة تستلهم مفرداتها من الأسس الأولى للمهرجان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى